جمرات الوعي
أن تعرف أكثر يعني أن تتألم أكثر
.
.

العقل ومأساة النقل / أزمة الفكر العربي

 

العقل والنقل ومأساة الفكر

 

يعاني الفكر العربي المعاصر، هذا اذا صح التعبير، من حالة ارتجاجات مأساوية في مفاصله ومرتكزاته الأساسية، على صلة خاصة بمشكلة فقدان الانتماء لهوية محدّدة وواضحة، وعن عجزه في  تحديد مقاصد العمل التفكيري ومراميه وغاياته.

يساعدنا المزيد من التعمّق في أصول الحالة التي يعاني منها هذا الفكر، للوصول إلى اكتشاف مكوّناً عضوياً من مكوّنات الأزمة المرضية لهذا الفكرالسّمة ويمكن اعتباره من أهم الأسباب الكامنة وراء عجزه عن الإنطلاق، يتمثّل هذا المكوّن بنقطة مركزية، وهي أنّه ولد في رحم سلطوي وليس قادراً على الانعتاق من هذا الرحم أو أن يكون فاعلاً خارج المنظومة السلطوية. فهو فكر نشأ وترعرع في خدمة السلطان، وتحدّدت وظيفته في خلق تبريرات عدم جواز خروج الناس عمّا فيه مصلحة السلطان وتشجيع الرعية على طاعته، وأيضاً خلق المبررات لتصرّفات مَنْ مَلَكَ الشوكة وضرورة طاعته.

ولكن ما الذي جعل من الفكر العربي برمّته فعلاً من أفعال السلطان لتثبيت سلطانه وتبريره وعملية من عمليات إخضاع العامة وصولاً إلى تبرير الاستبداد بها وعليها؟

ليس مبالغاً به القول أن الفكر العربي ولد في كنف الدعوة الإسلامية وكان هو نفسه الفكر الإسلامي، وأن هذا الفكر في لحظات تكوّنه الأولى شكّل رافعة أساسية وعظيمة للمجتمع برمّته تبعاً للدور الطليعي الثوري الذي لعبته السلطة السياسيةالإسلامية في بداية انطلاقتها، وعدم انفصام هذه السلطة السياسية عن الإنتاج الفكري والثقافي القائم على مختلف المستويات والذي أدّى تعاضد العمليتين السياسية والفكرية إلى صقل المجتمع برمّته ودفعه بقوّة إلى الأمام، عبر جملة من التغيرات والتطويرات الثورية التي شهدتها الحالة الفكرية وانعكست على كامل المجتمع بعلاقاته الداخلية وبعلاقاته مع خارجه المختلف.

نجم عن انجازات الدعاة الإسلاميين الأوائل، وهي الصفة الأكثر انسجاماً مع طبيعتهم كمفكرين ومثقفين عضويين في تلك المرحلة، أن تأسس لمرحلة أكثر إشراقاً كان من الممكن أن يشهدها الفكر الإسلامي لو توفّرت له استمرارية سلطة سياسية متعضونة به ومنسجمة معه على الأقل. أو لو توفّرت له إمكانية العمل المستقل بعيداً عن السلطة السياسية وعملية إعادة انتاجها.

الانقلاب الأموي ودوره في تعطيل الفكر:

غير أن الانقلاب الأموي الذي أصاب السلطة السياسية الإسلامية، ومستلزمات هذا الانقلاب لتثبيت ركائز السلطة الجديدة، والتي استدعت التأسيس لقيام "المؤسسة الدينية التبريرية"، هذه "المؤسسة" تمكنت من استيعاب عدداً من "الدعاة" ووظفتهم في خدمتها وعملت على تلميع صورتهم ليمدّوها بما يبرر وجودها وشرعية هذا الوجود عبر مقارعة "الدعاة" الأصوليين الذين آثروا البقاء مضطهدين خارج السلطة السياسية ونعيمها وبركتها.

واكبت "المؤسسة الدينية التبريرية" الرسمية تطور السلطة السياسية في الإسلام ونمت وترعرعت تحت رعاية صاحب السلطان الذي نمّطها لتلبي احتياجاته خصوصاً في الوقت الذي كانت المعارضة السياسية للسلطان منذ لحظات الانقلاب الأموي الأولى، تقوم على قواعد المحاججة في التفسير والتأويل للنص القرآني وللحديث النبوي الشريف.

كان ممكناً أن تؤدّي حالة تعدّد وجهات النظر إلى حالة إيجابية في الفكر الإسلامي لو كان بمقدور السلطة السياسية أن تقف على الحياد في النقاش والحوار الدائر فيما بين المفكرين – الدعاة، إلاّ أن لجوء السلطة الأموية إلى اضطهاد أئمة الفكر الإسلامي والتنكيل بهم، والإستسلام الكلّي لمشيئة السلطة السياسية الذي أبداه رجال "المؤسسة الدينية" الرسمية، حتى أنهم لم يتوانوا عن التحدّث بآلاف الأحاديث الكاذبة التي نسبوها للرسول (ص) بحجة أنهم بهذه الأحاديث الملفّقة يمكّنون "أمير المؤمنين" من بسط نفوذه والقضاء على الفتن، باعتبار أن الفتنة أشدّ من القتل، فإنهم بذلك يردّون الكبيرة بالصغيرة، على قاعدة "أقلّ الضررين" التي نظّر لها وقعّدها وأعطاها تبريراتها بعد أربعة قرون على احتدام النقاش "أبو حامد الغزالي"، كل ذلك، وبشكل خاص تلك الأحاديث الملفّقة التي تدعو إلى طاعة من ملك الشوكة ولو كان فاجراً، جعلت من الفكر الإسلامي السائد هو فكر السلطة السياسية السائدة يحرك ضمن وعائها ولخدمة متطلبات استمرارها وتبرير تسلطها.

والأنكى من ذلك كله هو انه جاء من فرض إيقاف الفكر ومنع الاجتهاد والاكتفاء بما فكّر به السّلف وما على الخلف سوى أن يتبع دون ان يُعمل العقل والتفكير في ما قاله من سبقه في عملية واضحة لتعطيل العقل واستبداله بالنقل، مع كل ما ينطوي عليه هذا الأمر من افتئات بحق العلماء والمفكرين المجددين واقتصار المعرفة على السابقين مع أن للمتأخرين من أدوات علمية وفكرية قد تكون أكثر منفعة وقدرة على استنباط الحلول تبعاً لتغيّر الأحوال في الزمان والمكان.

عالمية وشمولية الفكر الإسلامي:

إن ما يقال عنه فكراً إسلامياً، ليس في الواقع حكراً على المسلمين، ولا هو من نتاجهم الخالص ولا تقتصر إمكانية الخوض به عليهم. حكماً فإن المسائل العبادية التي يحتوي عليها هذا الفكر قد تكون حاملة لهذا التخصيص، إنّما المسائل ذات الصلة بنظام الحكم وعلاقات أبناء المجتمع الواحد بعضهم ببعض، وعلاقات هذا المجتمع بغيره من المجتمعات، يجب أن يتم النظر إليها بوصفها شأناً عاماً من شؤون أبناء المجتمع قاطبة، مسلماً كان او غير مسلم، وفوق كل ذلك، فهو فكر عالمي الأبعاد، إنساني المرامي والأهداف، وإلاّ فإن هذا الفكر لن ينتج سوى فكراً تقسيمياً للمجتمع ودعوة لغير المسلمين للخروج عن النظام العام طالما أنهم لم يشاركوا في صياغته، أو أنه يتعاطى معهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

إن خروج الفكر العربي من كونه فكراً إسلامياً يخص المسلمين وحدهم، وخروجه من دائرة التبعية للسلطان ليكون في خدمة المجتمع وليس في خدمة الجماعة الحاكمة، هي أولى الخطوات التي يتوجب السعي باتجاهها لخروج الفكر من شرنقة وضع نفسه بداخلها.

 

·        للبحث تتمة وتوضيحات   
 
منقول عن  http://fakihmn.f1.cc
 
 
 
 

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 14 نوفمبر, 2008 04:46 م , من قبل chakeralwazzan
من لبنان


طيب "لطشت" المقال قلنا بتمون،

على الأقل صحح الأخطاء المطبعية!


شاكر


اضيف في 27 يناير, 2009 07:54 ص , من قبل mashaly66
من مصر

من الواضح أن هناك مأساة فى النقل بالفعل
مشكور من كتب ومشكور من نشر
تقبلوا تحياتى
أخيكم فى الله
محمود مشالى




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.